محمد خليل المرادي

152

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

العرفان ، وصدر أرباب الشهود والوجدان . صاحب الكرامات والعلوم . كان آية اللّه الكبرى في العلوم النقلية والعقلية ، خصوصا في التفسير والحديث والفقه وغير ذلك . مع الديانة والصلاح والتقوى والنجاح ، والولاية وعلمي الظاهر والباطن . وكان مبجّلا معظما . أحد الأفراد من العباد ، مرشدا كاملا ، ورعا زاهدا ، مع إتقان اللغات الثلاث العربية والفارسية والتركية ، معمّرا نورانيا ، جامعا للمذاهب ، جليل المناقب ، متضلعا من العلوم ، مظهر التوفيق والكرامات . حتى كان يحفظ أكثر من عشرة آلاف حديث مع أسانيدها وحفظ روايتها . ودائما رأسه مكشوف غارقا في بحر عشق مولاه ، حامدا لما أناله وأولاه . ولد في سنة خمسين وألف . وكان والده نقيب الأشراف في بلدة سمرقند . فلما بلغ المترجم من سن ثلاث سنين حصلت له نازلة على قدميه وساقيه عطّلتها ، وبقي مقعدا بسبب ذلك . ثم نشأ مجتهدا في اكتساب العلوم والكمالات . ثم قرأ العلوم العربية والفنون العلميّة . ثم حصلت له النفحة الربانية والمنحة الصمدانية . فأقبل على طاعة ربه . واجتهد معرضا عن شهوات الدنيا مقبلا على الأخرى . فهاجر إلى بلاد الهند . وأخذ هناك الطريقة النقشبندية وغيرها عن الأستاذ الكبير مهبط الأسرار الإلهية ومورد المعارف الربانية الشيخ محمد معصوم الفاروقي المنسوب إلى الإمام عمر الفاروق رضي اللّه عنه ، فلازمه وتتلمذ له ، وأخذ عنه وأقام عنده أياما أمره بالتوجه لإرشاد العموم . وكان الجد المترجم سبقت جذبته الإلهية على سلوكه . وهو أخذها عن والده الأستاذ أحمد الفاروقي الملقّب بالمجدد . وهو عن الإمام محمد الباقر إلى آخر السلسة العلية . وأشرقت منه شموس الإرشاد . وبزغت من مطالعه نجوم الهداية والعلوم في البوادي والبلاد . وكان فيه المراد . ثم بعد مدة قدم إلى الديار الحجازية قاصدا حج بيت اللّه الحرام ، وزيارة سيد الأنام محمد صلّى اللّه عليه وسلم . ثم استقام مجاورا ثلاث سنين . وبعدها توجه نحو بغداد ، ومنها قصد التوجه إلى بخارى ، ومنها إلى أصفهان ومنها إليها . ولما مرّ على بلاد العجم خرج لملاقاته ميرزا صائب الشاعر المشهور . وأهدى إليه المنتخبات من شعره . وصحب في هذه الرحلة علماء سمرقند وبلخ ومشايخها ، واجتمع بهم . ثم قصد ثانيا العود إلى بغداد . فعاد واستقام بها مدة ثم عزم على التوجه إلى مكة المكرمة ثانيا فتوجّه . وبعد أداء الحج والنسك والزيارة مر على مصر القاهرة ، ومنها وفد إلى دمشق وقطن بها . وكان دخوله ووفوده إليها بعد الثمانين وألف . وأقبلت الناس عليه بدمشق بالتعظيم والاعتقاد والمحبة ، لما جبل عليه من الزهد والإيثار والعبادة والتحقيق في العلوم . ففي سنة اثنتين وتسعين وألف قصد التوجه لبلاد الروم . فارتحل إلى دار الملك قسطنطينية . فلما وصل أقبلت عليه علماؤها وصلحاؤها ومشايخها ومواليها وأخذوا عنه الطريقة . وتلقنوا منه